خطاب ميتسوتاكيس في الولايات المتحدة بمثابة انكسار تاريخي - سليمان سيفي أوغون
GAZETE YAZARI

خطاب ميتسوتاكيس في الولايات المتحدة بمثابة انكسار تاريخي

19 May 2022, 10.46

زار رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تم استقباله هناك استقبالا حافلا. وألقى خطابًا أمام الكونغرس الأمريكي كضيف شرف. ولقي خطابه تصفيقًا حارًا من قِبل الحضور. في الحقيقة، لم يكن هذا الامتياز الممنوح لميتسوتاكيس عاديًا ولكنه أحد أعلى مراتب التكريم التي يمكن منحها لزعيم سياسي غير أمريكي وفقًا للمعايير الأمريكية.

ولسبب ما، خطر ببالي فجأة كيف تم الترحيب بالراحل تورغوت أوزال بحرارة من قبل بوش الأب، وكيف تم استضافته ببروتوكول استثنائي خلال زيارته للولايات المتحدة الأمريكية.

حسنًا، لقد رأينا بمرور الوقت مدى خداع العلاقات الصادقة والودية بين بوش وأوزال. ونعلم أنه في الآونة الأخيرة، لم يهتم بوش بالرد على مكالمات أوزال الهاتفية، ولم يحضر حتى جنازته بعد وفاته، بل إنه تمادى في الحديث عنه في بعض البرامج التلفزيونية التي حصرها لاحقًا.

وذكّر البروفيسور جاغري أرهان، أن امتياز التحدث أمام الكونغرس الأمريكي مُنح لتركيا مرة واحدة فقط، حينما ألقى جلال بايار (الرئيس الثالث للجمهورية التركية) خطابه أمام الكونغرس عام 1954، في فترة تحسن العلاقات بين البلدين بعد انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو).

إن إلقاء زعيم أجنبي خطابًا في الكونغرس الأمريكي هو ضمان لشراكة استراتيجية تدوم لعشر سنوات على الأقل. ووفقًا لهذا الحساب، يمكننا الآن القول إن اليونان قد تلقت ذلك الضمان النهائي من الولايات المتحدة لمدة عشر سنوات على الأقل. وبطبيعة الحال، لا تبدأ المرحلة بهذا الخطاب. هذا الامتياز الممنوح لميتسوتاكيس هو هدية لتحصين اليونان بقواعد أمريكية عديدة على طول خط دده آغاج (أليكساندروبولي) - كريت.

نحن الآن أمام صورة لا ينبغي أن يتجاهلها المسؤولون بالخارجية التركية. إذ لم تعد اليونان وحيدة في النزاعات التركية-اليونانية. فنحن نعرف حق المعرفة دعم الاتحاد الأوروبي لليونان، يضاف إلى ذلك الآن الدعم الأمريكي الصريح. ففي السابق، عندما كانت تظهر أزمة بين الدولتين (تركيا واليونان)، بالفعل، كانت الولايات المتحدة تدعم اليونان خفية، وكذا في التحليل النهائي، إلا أنها كانت تحاول أن تظهر توازنًا في خطابها على الأقل. لست متأكدًا من أنها ستداوم على هذا النحو بعد الآن.

رسمت الولايات المتحدة وحلف الناتو خطاً جديداً يمتد من بحر البلطيق إلى جزيرة كريت، مما يجعل اليونان مركزًا عسكريًا واقتصاديًا في الجنوب لا سيما في مجال الطاقة، مع استبعاد تركيا تمامًا من المشهد. ولا تزال تركيا عضوًا رسميًا في حلف الناتو. لكن دعونا نتفق، أنها في الواقع خارجه الآن. لم يذكر ميتسوتاكيس، تركيا بشكل مباشر في خطاب. وهذا ما يلفت النظر. فمن الواضح أن ميتسوتاكيس وضع تركيا في قلب خطابه المُعد بعناية واهتمام. وأكد بشكل خاص على التمييز بين الديمقراطيين والأوتوقراطيين الذي حققه بايدن في تحليل الدور العالمي الجديد. وزينه بألقاب الفروق الاستشراقية العادية.

وأسهب ميتسوتاكيس، في الحديث عن كيفية تخلصت الهلينية، التي شكلت قيم الغرب بجذورها الثقافية، من سيطرة وهيمنة "الاستبداد الشرقي" باعتبارها السبب في نشأة اليونان الحديثة، وعن دعم الغرب لهذه المراحل. وأكد بجمل لافتة على أن هذا قدر تاريخي متوتر بين الخير (الغرب) والشر (الشرق). في الواقع ، كانت العقدة هي أوديسا. ألم تكن أوديسا، التي حوصرت واغتُصبت اليوم من قبل استبداد شرقي آخر، المكان الذي تأسست فيه جمعية "فليكي إتريا" (جمعية الأصدقاء) اليونانية السرية، بما يتفق مع جذورها التاريخية ورسالتها؟ ألم يشرح زيلينسكي ذلك باستفاضة في خطابه في البرلمان اليوناني؟ وكيف كان زيلينسكي مختلفًا عن إيمانويل زانثوس، ونيكولاس سكوفاس؟ وما هو المكان الذي يمكن أن يحتله هؤلاء "الروس والأتراك المتوحشون" في الغرب الإغريقي الروماني العريق؟

هذا الخطاب شبه الأسطوري ليس له قيمة تاريخية في واقع الأمر. ومن الممكن الرد على هذه القضية بغاية السهولة، لا سيما في سياق تاريخ الأرثوذكسية، ومن الممكن أيضًا هدم خطاب ميتسوتاكيس الغريب هذا. ولكن لن أخوض في هذه الأمور لأنها عميقة لدرجة تستحق أن تكون موضوع مقال آخر. لكن علي الاعتراف بأن هذا الخطاب له أهميته من الناحية التاريخية؛ إذ إن له ناتجين واضحين للغاية؛ أولهما، استبعاد الغرب، تركيا وروسيا بشكل مؤكد. ثانيهما، إذا فشلت هاتان القوتان "الشرقيتان" المستبعدتان في تسوية قضاياهما فيما بينهما وتطوير استراتيجية مشتركة، فإن مصير كليهما سيكون محل خطر.

حسن، فما المطلوب من تركيا؟ دعونا نلقي نظرة على هذا الأمر في مختتم حديثنا. المطلوب أن تنسحب تركيا من قبرص، وبحر إيجة، وشرق المتوسط، وأن تسمح بتشكيل دولة "تنظيم بي كا كا" الإرهابي في شمال العراق وسوريا. مطلوب أن تصبح تركيا ضعيفة ومنطوية على نفسها كلبنان.وفي مقابل ذلك يغرون تركيا بجعل إسطنبول مركزًا ماليًا مثلما كانت بيروت في السابق. ويمكننا أن نتنبأ كيف سيكون مستقبل تركيا إذا ما وقعت في هذا الشراك من خلال النظر إلى الحالة المزرية لبيروت ولبنان، والتي بدأت منذ السبعينيات حتى الوقت الحاضر، بعد أن كانت في ذروة تألقها في الستينيات من القرن الماضي.

SON DAKİKA

#title#